لماذا وصف الله تعالى سيدنا يونس بـ«الآبق»؟
قصة نبي علّم البشرية أن الغضب قد يهلك… وأن التسبيح يصنع المعجزات
لماذا وصف الله تعالى سيدنا يونس بـ«الآبق»؟
في لحظة غضب واحدة قد يختار الإنسان طريقًا لم يكن ليمشي فيه لو هدأ قلبه.
وفي لحظة تسبيح صادقة قد يغيّر الله القدر كله.
قصة نبي الله يونس عليه السلام ليست مجرد قصة رجل ابتلعه الحوت،
بل هي مدرسة كاملة في:
- خطر الغضب حين يقود القرار
- عظمة الرجوع إلى الله
- وأن اليأس لا يليق بعبد يعرف ربه
هي قصة تقول لكل إنسان:
لا تجعل غضبك يقودك… ولا تجعل ذنبك يبعدك عن باب الرحمة.
لماذا وصف الله يونس بالآبق؟
قال الله تعالى:
﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾
وقال أيضًا:
﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾
كلمة الآبق تعني:
الذي يهرب من موضعه قبل الإذن، كما يهرب العبد من سيده.
وهذا الوصف ليس انتقاصًا من مقام النبوة، بل تعليم للبشر أن حتى الأنبياء بشر، يعتريهم ما يعتري البشر من ضيق وغضب، لكن الفرق أنهم إذا أخطأوا عادوا سريعًا إلى الله.
الغضب… البداية الخفية للمحنة
كان يونس عليه السلام يدعو قومه إلى الله سنوات طويلة، فلم يؤمنوا، وسخروا منه، وكذبوه، وآذوه.
تراكم الألم في قلبه… حتى جاء اليوم الذي غضب فيه.
والغضب إذا دخل القلب:
- يعمي البصيرة
- يسرّع القرار
- ويجعل الإنسان يسبق أمر الله بدل أن ينتظره
خرج يونس من قومه مغاضبًا، أي:
غاضبًا لهم، وغاضبًا لحالهم، وغاضبًا لما لقيه من أذى.
لكن الغضب — مهما كان سببه
لا يقود إلا إلى الندم إن لم يُضبط بحكمة الإيمان.
درس خطير: الغضب يودي بصاحبه التهلكة
الغضب ليس دائمًا شرًا، لكنه إذا تحوّل إلى قرار مصيري بلا توكّل ولا استخارة، صار بابًا للهلاك.
لماذا وصف الله تعالى سيدنا يونس بـ«الآبق»؟
يونس لم يعصِ أمرًا مباشرًا، لكنه:
- استعجل
- غادر قبل الإذن
- ترك موقع الدعوة قبل أن يأتي أمر السماء
فكانت النتيجة:
ليس هلاكًا… بل تأديب رحمة، ليعلّم الله به البشرية كلها أن:
الطريق إلى النجاة يبدأ بالصبر، لا بالاندفاع.
إلى السفينة… ثم إلى البحر
ركب يونس سفينة مليئة بالناس.
هاج البحر، وارتفعت الأمواج، وخاف الجميع من الغرق.
قالوا: لا بد أن نُلقي أحدنا ليخف الحمل.
فاقترعوا… فوقعت القرعة على يونس.
أعادوها… فوقعت عليه مرة ثانية.
ثم ثالثة… كذلك.
فعلم أن هذا قضاء الله، فألقى بنفسه في البحر راضيًا بحكم ربه.
الحوت… حين يتحول القاع إلى باب السماء
ابتلع الحوت يونس بأمر الله، ولم يكسر له عظمًا، ولم يجرح له جلدًا.
صار في ثلاث ظلمات:
- ظلمة الليل
- ظلمة البحر
- ظلمة بطن الحوت
وهنا، في أعمق نقطة من اليأس البشري…
ولد أعظم أمل عرفته البشرية.
الدعاء الذي هزّ عرش الرحمة
قال يونس:
﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
هذا الدعاء ليس مجرد كلمات، بل منهج حياة:
- توحيد
- تسبيح
- اعتراف بالخطأ
- لم يبرر غضبه.
- لم يقل: فعلت لأنهم آذوني.
- لم يقل: تعبت من الدعوة.
- بل قال: إني كنت من الظالمين.
فكان الجواب من السماء:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾
النجاة… حين يثمر التسبيح
أمر الله الحوت أن يقذفه إلى الشاطئ.
خرج يونس ضعيف الجسد، مكسور القلب، لكنه أقوى روحًا من أي وقت مضى.
فأنبت الله له شجرة يقطين تظلله، وتغذيه، وتشفيه.
وهنا تعلّم يونس — وتعلّمنا معه — أن:
من صبر بعد الغضب
ومن تاب بعد الخطأ
رفعه الله درجات لم يكن ليبلغها بلا الابتلاء.
العودة… والمفاجأة الكبرى
عاد يونس إلى قومه، وهو يتوقع أن يجدهم على كفرهم، فإذا بالمشهد مختلف تمامًا.
لقد رأوا بوادر العذاب:
- السماء تغيّرت
- الأرض اضطربت
- الخوف ملأ القلوب
فخرجوا جميعًا إلى الصحراء:
رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، حتى الدواب.
رفعوا أيديهم إلى السماء يبكون ويتضرعون.
العابد والعالِم
كان فيهم رجلان:
عابد: كثير الصلاة، قليل الفقه في سنن الله
عالِم: واسع العلم برحمة الله
قال العابد:
هلك القوم، لا مفر من العذاب.
وقال العالِم:
بل إن الله يقبل التوبة، ولو قبل نزول العذاب بلحظة.
اختار القوم قول العالِم، فجعلوه قائدهم، وخرجوا يستغفرون الله بقلوب صادقة.
العذاب ينزل… ثم يُرفع
نزل العذاب حتى صار على رؤوس الجبال،
ثم حدث ما لم يحدث لأمة قبلهم:
رفع الله عنهم العذاب.
قال تعالى:
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾
فكانوا الأمة الوحيدة في التاريخ التي:
- حضرها العذاب
- ثم رُفع عنها
- وبدّل الله خوفها أمنًا
- وذلّها كرامة
حكمة القصة: غضب ساعة… أو صبر عمر؟
قصة يونس تعلمنا أن:
الغضب قد يخرجك من مكان كنت فيه سبب هداية.
التسرّع قد يقودك إلى طريق لم تخطط له.
واليأس لحظة ضعف… لا يليق بمن يعرف رحمة الله.
لكنها تعلمنا أيضًا أن:
الرجوع إلى الله يمحو آثار الغضب.
والتسبيح يمسح خطايا العجلة.
والاعتراف بالخطأ يفتح باب المعجزات.
التسبيح… سلاح لا يُهزم
ما الذي أنقذ يونس؟
ليس قوته.
ليس مكانته كنبي.
ليس دعاءً طويلًا.
بل تسبيحة صادقة في وقت ضيق.
فإذا ضاق بك الحال،
وخانك الناس،
وضاقت بك الأرض،
فقل كما قال يونس:
سبحانك إني كنت من الظالمين
وسترى كيف يغيّر الله حالك في غمضة عين.
تذكر
قصة سيدنا يونس ليست قصة حوت فقط، بل قصة قلب:
هي رسالة لكل إنسان:
لا تجعل غضبك يقودك إلى قرارات تهدم مستقبلك.
لا تجعل يأسك يمنعك من طرق باب الله.
ولا تظن أن الخطأ نهاية الطريق،
فرب تسبيحة في قاع البحر تصنع لك فجرًا جديدًا.
إرسال تعليقك عن طريق :