قصة سيدنا موسى عليه السلام كما وردت في التوراة والمسيحية والإسلام والنقوش الفرعونية
سيدنا موسى والأديان الثلاثة
مقدمة
تُعد قصة سيدنا موسى عليه السلام من أكثر القصص الإنسانية والدينية حضورًا وتأثيرًا في تاريخ البشرية، فهي قصة تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتجمع بين الوحي الإلهي والتاريخ والحضارة. وقد وردت قصة موسى في الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، كما ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالحضارة المصرية القديمة، حيث عاش موسى في قلب واحدة من أعظم حضارات التاريخ.
ورغم اختلاف طرق السرد والتفاصيل بين التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، فإن جوهر القصة واحد، ويتمحور حول رسالة التوحيد، ومواجهة الطغيان، وإنقاذ المظلومين، وهو ما يشكل في مجموعه دليلًا واضحًا على أن مصدر هذه الرسالات واحد، وأن مرسل الأنبياء جميعًا هو الله تعالى.
أولًا: قصة سيدنا موسى في التوراة (اليهودية)
تُعد التوراة المصدر الأساسي للرواية اليهودية لقصة موسى، وتحديدًا في أسفار: الخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية، والتي تُعرف مجتمعة باسم “أسفار موسى الخمسة”.
سيدنا موسى والأديان الثلاثة
مولد موسى في زمن الاضطهاد
تذكر التوراة أن بني إسرائيل عاشوا في مصر تحت حكم فرعون الذي استعبدهم وأذاقهم أشد أنواع العذاب. ومع تزايد عددهم، أصدر فرعون قرارًا بقتل كل مولود ذكر من بني إسرائيل. وفي هذا الجو القاتم، وُلد موسى، فقامت أمه بإخفائه مدة من الزمن، ثم وضعته في تابوت وألقته في نهر النيل، متوكلة على عناية الله.
تعثر ابنة فرعون على التابوت، فتأخذ الطفل وتتبناه، فينشأ موسى داخل القصر الملكي، متعلمًا علوم المصريين، لكنه يحمل في داخله انتماءه لبني إسرائيل.
الهروب ثم العودة بالرسالة
بعد أن كبر موسى، يروي سفر الخروج أنه قتل رجلًا مصريًا كان يظلم أحد بني إسرائيل، فخاف وهرب إلى أرض مديَن. وهناك عاش سنوات، ثم كلّمه الله وأمره بالعودة إلى مصر لتحرير قومه.
سيدنا موسى والأديان الثلاثة
مواجهة فرعون والخروج
تسهب التوراة في ذكر المواجهة بين موسى وفرعون، وتذكر ما يُعرف بالضربات العشر التي أُرسلت على مصر، مثل الجراد والظلام والموت. وبعدها سمح فرعون لبني إسرائيل بالخروج، ثم لاحقهم، فكان انشقاق البحر وغرق فرعون وجنوده.
وتُبرز التوراة موسى كمشرّع عظيم، حيث تلقى الوصايا العشر على جبل سيناء، وأرسى الشريعة التي قامت عليها اليهودية.
ثانيًا: قصة سيدنا موسى في المسيحية
تعتمد المسيحية في روايتها لقصة موسى على العهد القديم، لكنها تقدم قراءة لاهوتية وروحية مختلفة، تجعل من موسى رمزًا تمهيديًا لرسالة السيد المسيح عليه السلام.
موسى والناموس
في الفكر المسيحي، يمثل موسى صاحب الناموس، أي الشريعة، بينما جاء المسيح مكمّلًا لها بالمحبة والرحمة. ولذلك تحتفظ المسيحية بتقدير بالغ لشخصية موسى، وتعتبره نبيًا اختاره الله وكلمه، وأجرى على يديه الآيات.
سيدنا موسى والأديان الثلاثة
حضوره في الأناجيل
يظهر موسى في العهد الجديد بوصفه شاهدًا على صدق رسالة المسيح، كما في حادثة التجلي، حيث ظهر موسى وإيليا إلى جانب عيسى عليه السلام. وهذا الظهور يحمل دلالة رمزية عميقة على وحدة الرسالة الإلهية عبر الأنبياء.
البعد الرمزي للقصة
تركز المسيحية على البعد الرمزي في قصة موسى، ففرعون يمثل الخطيئة، والخروج من مصر يرمز للخلاص الروحي، والعبور عبر البحر يشير إلى التطهير والإيمان.
ورغم هذا الطابع الرمزي، تبقى القصة في جوهرها امتدادًا للوحي الإلهي الواحد.
ثالثًا: قصة سيدنا موسى عليه السلام في الإسلام
يحتل موسى عليه السلام مكانة خاصة في الإسلام، فهو أكثر الأنبياء ذكرًا في القرآن الكريم، وقد وردت قصته في سور متعددة، بأسلوب متنوع يخدم المقاصد الإيمانية والتربوية.
الميلاد بعناية إلهية
يركز القرآن الكريم على أن نجاة موسى منذ ولادته كانت بتدبير إلهي محكم، حيث أوحى الله إلى أمه أن تلقيه في اليم، مطمئنًا إياها بردّه إليها. وهنا يظهر بوضوح مفهوم التوكل على الله.
الرسالة ومعجزاتها
أرسله الله تعالى إلى فرعون الذي ادعى الألوهية، وأيّده بمعجزات واضحة، مثل العصا التي تحولت إلى حيّة، واليد البيضاء، وانشقاق البحر. ويؤكد القرآن أن هذه الآيات كانت حجة على الطغيان ودعوة صريحة للتوحيد.
موسى الإنسان والنبي
يقدم القرآن موسى كنبي بشر، يشعر بالغضب والحزن والخوف، لكنه يلجأ إلى الله دائمًا. وتبرز قصته مع الخضر كنموذج للتواضع في طلب العلم، ولتعليم الإنسان أن علم الله أوسع من إدراك البشر.
الهدف الأساسي للرسالة
لا يُصور القرآن رسالة موسى على أنها تحرير قومي فقط، بل دعوة شاملة لتوحيد الله، وتحقيق العدل، ورفض الظلم، وهو جوهر كل الرسالات السماوية.
رابعًا: موسى والحضارة المصرية القديمة
لم تذكر النقوش الفرعونية اسم موسى صراحة، لكن ذلك لا ينفي وجود الأحداث المرتبطة بعصره.
فالتاريخ المصري القديم كان يتجنب تسجيل الهزائم أو الأحداث التي تُظهر ضعف الفرعون.
النقوش والبرديات
تشير نقوش وبرديات مصرية إلى وجود عمال ساميين، وأعمال سخرة، وكوارث طبيعية، وهروب جماعي للعمال، وهي عناصر تتقاطع مع السياق العام لقصة موسى.
ويرى عدد من الباحثين أن هذه الإشارات، رغم عدم تسميتها، تدعم الإطار التاريخي الذي وقعت فيه قصة الخروج.
وحدة الرسالة ودليل الرب الواحد
عند التأمل العميق في قصة موسى كما وردت في التوراة والمسيحية والإسلام، نجد أن الاختلافات في التفاصيل لا تمس الجوهر، بل تعكس اختلاف السياق والغاية من السرد.
سيدنا موسى والأديان الثلاثة
فالرسالة واحدة، والمبدأ واحد، والدعوة واحدة: عبادة الله وحده، ورفض الطغيان، ونصرة المظلوم. وهذا التشابه العميق لا يمكن تفسيره إلا بأن مرسل هذه الرسالات جميعًا هو إله واحد، هو الله تعالى.
ولو كانت هذه القصص من صنع البشر، لاختلفت في أصولها ومقاصدها، لكنها جاءت متكاملة، يشد بعضها بعضًا، عبر قرون طويلة، وفي أمم مختلفة.
نتذكر
إن قصة سيدنا موسى عليه السلام ليست مجرد سرد تاريخي، بل شهادة حية على وحدة المصدر الإلهي للديانات السماوية.
ومن خلال التوراة والمسيحية والإسلام، تتجلى حقيقة واحدة واضحة، وهي أن الله تعالى هو رب العالمين، أرسل رسله لهداية البشر، وأن الاختلاف في الشرائع لا يلغي وحدة العقيدة.
وتبقى قصة موسى شاهدًا خالدًا على أن الحق واحد، وأن نور الوحي لا ينطفئ مهما تعاقبت العصور.
إرسال تعليقك عن طريق :